شمس الدين الشهرزوري

408

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية

بالمنازعة ؛ فإذا لم يكن بين المناظرين « 1 » منازعة لا يسميان متجادلين « 2 » ، فلم سمي القياس المركب من المشهورات والمسلمات ب « الجدل » ؟ قلت : السبب في تسميته بالجدل أمران : الأول ، أنّ المشهورات ربما كانت غير حقة ، فينازع الخصم فيها لذلك ، وعلى تقدير حقيتها ، فلا يعلم كونها حقة بالضرورة ، فينازع فيها لذلك الأمر . الثاني ، أنّه قد يمكن أن يكون كل واحد من طرفي النقيض مشهورا ، فإنّه من أراد تحريض الغير على السفر وترغيبه في الحركة قال : « في الحركة بركة » ، وإن أراد تنفيره عنه ومنعه منه قال : « في الثبات نبات « 3 » » ، وهاتان القضيتان محمودتان مشهورتان وهما متغايرتان متضادتان ، فيضطر الإنسان إلى أن يرجّح مشهوره على مشهور خصمه ، فينفتح حينئذ أبواب المخاصمات والمنازعات ؛ فلأجل ذلك سمّوا هذا القياس بالجدل ؛ وليس في البرهان شيء من هذا ؛ لأنّ موادّه « 4 » اليقينيات وهي لا تعارض ولا يمكن دفعها ؛ فلا يحتاج فيها إلى المنازعة ؛ وليس في الخطابة ذلك أيضا ، لأنّ حاصل الأمر فيها تصديق السامع كل ما يقوله الخطيب وتحسينه لأقواله وتصويبه « 5 » لآرائه ؛ فإن خالف هذا الطريق وعدل إلى القيل والقال والجدال انقلبت الخطابة جدلا ؛ وأمّا السفسطة فإنّه وإن كان فيها منازعة ، إلّا أنّ المقصود منها غرض آخر وهو الاقتدار على إيقاع الغلط والاحتراز عنه ؛ فعلم أنّ تسمية هذا القياس ب « الجدل » موافق لأصل اللغة . [ المجيب والسائل ومبادئ الجدل عندهما ] وناقض الوضع بالحجة يسمى « سائلا » وغاية مرامه أن يلزم ؛ وحافظ

--> ( 1 ) . ن : المتناظرين . ( 2 ) . ب : متحاذان . ( 3 ) . ت : بينات . ( 4 ) . ن : مراده . ( 5 ) . ت : تصديقه .